عضو اللجنة الوطنية للحوار الإسلامي - المسيحي
ليست الحروبُ في التاريخِ كلّها من نوعٍ واحدٍ، ولا من منطقٍ واحدٍ. فبعضها نشأ طلباً للمجدِ أو التوسعِ، وبعضها اندلع دفاعاً عن المصالحِ الماديةِ أو الحدودِ السياسية أو النفوذِ الشخصي. لكنّ أخطرَ أنواعِ الحروبِ قاطبةً، هي تلكَ التي تتحوّلُ في وعيِ الجماعةِ إلى «حربِ وجودٍ»؛ أي إلى صراعٍ يرى فيه أصحابه أنّ الهزيمةَ لا تعني خسارةَ معركةٍ فقط، بل تعني خسارةَ كيانهم نفسه.
يا سادة، في هذا النّوعِ من الحروبِ يتغيّرُ ميزانُ الحساباتِ كُلُّه. فلا يعودُ الصراعُ مجرّدَ نزاعٍ على مصلحةٍ قابلةٍ للتفاوضِ، ولا خلافاً سياسياً يمكنُ تسويته بوسائلِ الدبلوماسيةِ. بل يغدو صراعاً بين البقاءِ والزوالِ، وبين الحُضورِ والاندثارِ.
عندئذٍ يدخلُ المجتمعُ كلُّهُ في حالةٍ نفسيةٍ استثنائيةٍ؛ حالةٍ يشعرُ فيها أفرادهُ أنّ الخطرَ يُطوِّقهم من كلِّ جهةٍ، وكأنّ السكاكينَ قد أحاطت بأعناقِهم، فلا يرون خلفهم إلّا هاويةً، ولا أمامهم إلّا معركةً لا بدَّ من خوضِها.
في هذه اللحظةِ التاريخيةِ الفاصلةِ «تنتقلُ الحروبُ من منطقِ السياسةِ بوسائلَها المُعتادَةِ إلى منطقِ البقاءِ بأيِّ ثمنٍ». وهنا يضمرُ حيّزُ التفاوضِ، وتتقلّصُ مساحةُ الحلولِ الوُسطى، ويغدو التراجعُ في وعيِ الجماعةِ نوعاً من الانتحارِ السياسي أو التاريخي، «فلا حُدودَ لدى أفرادها إلّا حفظ البقاء وضمانِه مهما كانتِ الأثمان».
ومن الناحيةِ الاستراتيجيةِ، يتسمُّ هذا النوعُ من الصراعِ بخصائصَ خطيرةٍ؛ فأولُها أنَّه يطلقُ أعلى درجاتِ التعبئةِ الجَماعيّةِ، إذ يشعرُ الأفرادُ أنّهم يدافعون عن أصلِ وجودِهم، لا عن مصالحِهم فقطْ التي تقتصرُ في الحفاظِ عمّا هُم عليه.
وثانيها أنَّه يضيّقُ مجالُ النّقدِ الداخلي؛ لأنّ كل صوتٍ يدعو إلى التروي أو التسويةِ قد يُتهمُ بإضعافِ معنوياتِ الجماعةِ أو بتقويةِ الخصمِ.
وأمّا خاصّيته الثالثة، فهي أنّ تصوّرَ العدوِّ يتحوّلُ فيه من خصمٍ عادِي، أو اعتِيادي، إلى خطرٍ وجودي؛ فيغدو القضاءُ على جبروتِه في الوَعيِ الجَمعي ضرورةً للبقاءِ، لا مجرّدَ خيارٍ عسكري.
ولهذا السببِ، يعتَبِرُ المفكّرونَ السياسيونَ «مصطلحَ حربِ الوجودِ من أخطرِ المفاهيمِ» التي يمكنُ أن تدخلَ إلى الخطابِ السياسيِّ؛ لأنّه يحوّلُ النزاعَ من خلافٍ قد يُمكِنُ إدارتُه إلى معركةٍ فاصلةٍ بين البقاءِ والفناءِ. وفي ظل هذا المنطقِ تذوي فرصُ التسويةِ إلّا عند حدود حفظ الوجود وأمانِه وسلامِه، وتندفعُ الأطرافُ المتصارعة، التي قد تتبنّى هذا المنطق؛ صِدقاً أم زَيفاً، نحو دوّامةِ تصعيدٍ متبادلٍ، يُمكنُ أن يُحوّلَ النزاعَ المحدودَ إلى حربٍ طويلةٍ ومُدمِّرة.
ولعلّ أخطرَ ما في هذا النوعِ من الحروبِ، أنّه يتغذّى على الخوفِ الجَمعي، ما صحّ منهُ وما لم يَصِح، «ويُعيدُ تشكيلَ الهويةِ الجماعيةِ حول معنى الدفاعِ عن الوجودِ». فتصبحُ المعركةُ في وجدانِ الناسِ معركةَ كرامةٍ ومصيرٍ، لا معركةَ سياسيةٍ وحدودٍ فقط.
وعندئذٍ لا يعودُ المقاتلُ يلتفتُ خلفَه؛ لأنّه يرى خلفه نهايةَ الطريقِ، ويرى أمامَهُ سبيلَ البقاءِ.
لينتبه الجميعُ، ممّن يقفونَ موقفَ العداوةِ أو الخصومةِ، إلى خطرِ دفعِ خصومِهم دفعاً شديداً نحو تبنّي منطقِ حفظِ الوجودِ؛ وجودِهم في أنفسِهم، وفي أرضِهم وإعمارِها، وفي معيشتِهم واقتصادِهم، وفي كرامتِهم الفرديةِ والجماعيةِ، وفي حقوقِهم الشخصيةِ والاجتماعيةِ والسياسيةِ، بوصفِهم مكوّناً من مكوّناتِ المجتمعِ.
فإنّ الدفعَ المستمر في هذا الاتجاهِ لا يقودُ عادةً إلى المساكنةِ، ولا إلى المهادنةِ، ولا إلى القبولِ بما يُفرَضُ عليهم، بل قد يدفعُ أصحابَه إلى الانتقالِ من موقعِ الدفاعِ القلقِ إلى موقعِ الصراعِ الحاسمِ. وحينَ يبلغُ الشعورُ بالتهديدِ هذا الحدّ، فإنّ الجماعاتِ قد لا تكتفي بخوضِ الصراعِ إذا فُرِضَ عليها، بل قد تسعى إليه وتطلبُه طلباً، بوصفِه الطريقَ الأخيرَ لحمايةِ وجودِها، فيما يُعرفُ في الأدبياتِ السياسيةِ والاستراتيجيةِ بحربِ الوجودِ.
وعندَ تلك اللحظةِ الفاصلةِ يصبحُ النزاعُ أكثرَ خطورةً وأشدّ استعصاءً على الاحتواءِ؛ إذ تتراجعُ إمكاناتُ التسويةِ، ويضيقُ مجالُ التراجعِ، ويتحوّلُ الصراعُ من مستوى قابلٍ للإدارةِ إلى معركةٍ كاسِرةٍ يعتقدُ أطرافُها أنّ فيها بقاءَهم أو فناءهم.
وعندئذٍ، لن يكونَ لأحدٍ حُجّةٌ في أن يتنصّلَ من النتائجِ؛ فليتحمّلِ الجميعُ ما تفضي إليه أعمالُهم، وآثارُ سلوكاتِهم، وعواقبُ سياساتِهم، وخواتيمُ حروبِهم.
ذلك أنّ الصحيحَ هو حفظُ الإنسانِ والبلدانِ، وما عدا ذلك؛ سرابٌ وخراب، ودِماء ودمار. رِفقاً بالإنسان.